صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
مقدمة 71
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
يقول اللّه تعالى على لسان هود عليه السلام : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ « 1 » ، ثم جاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالرسالة الخاتمة ، ودعا إلى ما دعت إليه الرسل من التزام هذا الصراط ، ووصفه ربه بقوله : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ « 2 » . إذن فإن الثبات على الصراط المستقيم هو محور الصراع بين الخير والشر ، بين ما تدعو إليه الرسل وما يسعى إليه الشيطان الرجيم ، فما هذا الصراط ؟ الصراط المستقيم : كما سبق أن ذكرنا فإن هذا « الصراط المستقيم » هو دعوة الرسل جميعا ، وهو الهدف الذي يسعى إبليس اللعين أن يقعد لبني آدم عليه فيصدهم عنه ، وذكرنا أيضا أن اللّه - عز وجل - على صراط مستقيم ، ومعنى كون اللّه تعالى على صراط مستقيم أنه سبحانه على طريق مستقيم في قضائه وقدره وأمره ونهيه ، يهدي من يشاء إليه بفضله ورحمته ، ويصرف عنه من يشاء بعدله وحكمته « 3 » . لقد صور رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم التزام الصراط المستقيم والخروج عنه ، أي ذلك الصراع بين طاعة الرحمن وطاعة الشيطان فيما يرويه ابن مسعود - رضي اللّه عنه - قال : خط رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطا ثم قال : « هذا سبيل اللّه » ، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال : « هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه » ، ثم قرأ : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ « 4 » . فالسبيل المستقيم أو الصراط المستقيم هو ما تدعو له الرسل . وتهدي الناس إليه ، أما السبل الأخرى التي ينحرف إليها البعض فليست إلا سبلا شيطانية نشأت بعد أن قعد لهم إبليس على هذا « صراط اللّه المستقيم » . أما دعوته صلّى اللّه عليه وسلّم إلى هذا الصراط المستقيم في قوله تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فهي - كما يقول ابن القيم - رحمه اللّه تعالى : كل علم أو عمل أو حقيقة ، أو حال أو مقام خرج من مشكاة نبوته ، فهو من الصراط المستقيم وما لم يكن كذلك فهو من صراط أهل الغضب والضلال . فما ثمّ خروج عن هذه الطرق الثلاث : طريق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به ، وطريق أهل الغضب ( المغضوب عليهم ) ، وهي طريق من عرف الحق وعانده . وطريق أهل الضلال : وهي طريق من أضله اللّه عنه . ولهذا قال عبد اللّه بن عباس وجابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنهم - « الصراط المستقيم : هو الإسلام » وقال عبد اللّه بن مسعود وعلي بن أبي طالب - رضي اللّه عنهما - « هو القرآن » وفيه حديث مرفوع في الترمذي وغيره ، وقال سهل بن عبد اللّه « طريق السنة والجماعة » وقال بكر بن عبد اللّه المزني « طريق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » . ولا ريب أن ما كان عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه علما وعملا وهو معرفة الحق وتقديمه ، وإيثاره على غيره ، فهو الصراط المستقيم « 5 » .
--> ( 1 ) هود / 6 . ( 2 ) الشورى / 52 - 53 . ( 3 ) إغاثة اللهفان ص 220 . ( 4 ) الأنعام / 153 . ( 5 ) مدارج السالكين ( 1 / 8 ) .